لقد خُلقنا برحمة الله من أجل خير الخليقة، وكرّسنا حياتنا لرحمة الله القدير التي تمنحنا الطمأنينة والسلام والعدل، تلك الرحمة التي تجلّت في ميلاد الطفل يسوع. ومن هنا، اخترنا أن يكون شعار عيد الميلاد المجيد لهذا العام: «الرحمة روح الميلاد».
نعيش اليوم في عالم هو بأمسّ الحاجة إلى الرحمة، تلك الرحمة التي وصفها قداسة البابا فرنسيس بأنها «القوة التي توقظنا إلى حياة جديدة، وتغرس في نفوسنا الشجاعة للتطلع إلى المستقبل بأمل». واليوم، علينا أن نحيا حياة يسودها السلام، لا مكان فيها للحروب والصراعات، حياة تبدأ عندما نفكر بالآخرين.
وتجسّد قصيدة «فكّر بغيرك» للشاعر محمود درويش المعنى الجوهري للرحمة الحقيقية، إذ يقول فيها: «وأنت تخوض حروبك، فكّر بغيرك، لا تنسَ من يطلبون السلام».
فلنفكر بالأطفال الذين يقعون ضحايا الحروب، وبالعائلات التي تشتّتت وهُجّرت من أوطانها، وبالبلدان التي مزّقتها الانقسامات. وهنا تكمن قسوة الحروب التي تدفع الإنسانية نحو الدمار، وتُفقد الرحمة معناها في حياتنا.
فلنفكر بالآخرين، ولنغمرهم بالمحبة، ولنملأ قلوبهم بالأمل. ولنكن، كما قال القديس فرنسيس، «أداةً للسلام»، ننشر المحبة والمغفرة والوحدة والفرح. عندها، وعندها فقط، نكون قد عشنا روح الميلاد الحقيقية.
وفي فلسطين، أرض القداسة التي عاش فيها أجدادنا منذ أجيال طويلة، نواصل بناء وطننا بقوة وعزيمة وثبات، سعياً نحو حياة جديدة ومستقبل أفضل لأجيالنا القادمة، في وطن خالٍ من الاحتلال والحصار والجدران.
فليكن عام 2017 عاماً لنهاية الاحتلال في فلسطين، لما يحمله هذا العام من رمزية تاريخية خاصة، إذ يصادف مرور مئة عام على وعد بلفور، وسبعين عاماً على قرار تقسيم فلسطين، وثلاثين عاماً على اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وعشرة أعوام على الانقسام الفلسطيني الداخلي.
نعم، لقد آن الأوان لأن يقف العالم موحّداً لإنهاء معاناة شعبنا الفلسطيني، الذي تتجذّر هويته في استمرارية وجوده على أرضه، شعباً وأرضاً.
نعم، من بيت لحم، نبعث رسالة حياة في عيد الميلاد المجيد وعلى مدار العام، إلى جميع الأبرياء الذين يعانون في مختلف أنحاء العالم. ونرفع صلواتنا إلى الطفل يسوع، راجين أن يعمّ السلام في عام 2017، وأن تُتخذ قرارات شجاعة وتُنفّذ خطوات فعلية لتحقيقه.
ونأمل أن تجتمع العائلات مجدداً على أرضها، بعد أن ذاقت مرارة اللجوء والاغتراب بعيداً عن أوطانها. ونحن، كفلسطينيين، نشعر بعمق معاناتهم، إذ لا يزال أكثر من ستة ملايين لاجئ فلسطيني مشتتين في أنحاء العالم، يحلمون بالعودة إلى ديارهم، إلى جانب المبعدين قسراً والأسرى القابعين في السجون الإسرائيلية، الذين يتوقون إلى الحرية والانعتاق.
من بيت لحم بدأت الحكاية، حيث يرمز المذود إلى الرحمة والحياة. فمن ذلك المهد المتواضع، انبثقت رحمة الله إلى البشرية جمعاء، حاملةً الأمل والسكينة لكل من يحتاج إليهما، لتكون الرحمة حقاً المعنى الحقيقي لعيد الميلاد المجيد.
فلسطين وطننا، وبيت لحم مدينتنا. بيت لحم بيتٌ ينبض بالأمل، وتغمره روح الصمود والمحبة، ويرفع صلواته من أجل وطننا وشعبنا والإنسانية جمعاء.
ميلاد مجيد، وكل عام وأنتم بألف خير.
الأستاذة فيرا بابون
رئيسة بلدية بيت لحم