رسالة فخامة الرئيس محمود عباس بمناسبة عيد الميلاد المجيد

24 ديسمبر 2016 أخبار البلدية
هذا المقال متاح أيضاً باللغة الإنجليزية اقرأ بالإنجليزية

دولة فلسطين

منظمة التحرير الفلسطينية

مكتب الرئيس

رسالة فخامة الرئيس محمود عباس بمناسبة عيد الميلاد المجيد لعام 2016

إن عيد الميلاد المجيد، بما يحمله من دعوة فلسطينية إلى الأمل والعدالة، هو رسالة فريدة توارثناها جيلاً بعد جيل، ككنز ثمين انطلقت بشارته من فلسطين، ويُحتفل به في جميع أنحاء العالم.

نحن على أعتاب مرور خمسين عاماً على الاحتلال الإسرائيلي، وهو أطول احتلال عسكري في التاريخ الحديث. ومدينة بيت لحم، مسقط رأس السيد المسيح، هي جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة، ولم تسلم من الممارسات الوحشية التي شهدتها عقود من الإذلال والاستيطان والفصل العنصري.

فمدينة ميلاد السيد المسيح أصبحت اليوم محاطة بثماني عشرة مستوطنة إسرائيلية غير شرعية، ويقسّمها جدار الضم والتوسع غير القانوني، بما في ذلك الإجراءات الإسرائيلية غير الشرعية الأخيرة لبناء الجدار في منطقة وادي كريمزان. وقد أدت سياسات الاحتلال الإسرائيلي إلى قطع التواصل بين بيت لحم والقدس، اللتين تشكلان جزءاً لا يتجزأ من دولة فلسطين المحتلة، وذلك للمرة الأولى منذ ألفي عام من التاريخ المسيحي.

وعلى الرغم من الاحتلال الإسرائيلي، فإن وجودنا على أرض وطننا، والحفاظ على تراثنا الثقافي والوطني، يشكلان أهم أشكال المقاومة في مواجهة ظلام قوة احتلال أجنبية استعمارية.

إننا نمد أيدينا للسلام، ونأمل أن يشكل مؤتمر السلام الدولي المرتقب في باريس انطلاقة لمسار جديد يجعل من عام 2017 عاماً للحرية والعدالة والسلام.

نحن شعب يعتز بنسيجه الاجتماعي، فالمسيحيون لم يكونوا يوماً أقلية في فلسطين، بل كانوا وما زالوا جزءاً أصيلاً لا يتجزأ من شعبنا. وقد كان بعض أبرز قادة حركتنا الوطنية من المسيحيين. وفي كثير من الحالات، لم نكن نعرف ديانة رفاقنا إلا عندما كانوا يستشهدون، ويُشيّعون إلى مسجد أو كنيسة.

وأدعو الكنائس المحلية والعالمية إلى إيلاء الاهتمام لرسالة المسيحيين الفلسطينيين، بما في ذلك وثيقة «كايروس فلسطين». كما نشجع جميع أشكال العمل السلمي غير العنيف، بما فيها التحركات القانونية والسياسية وجهود المناصرة، من أجل تحقيق السلام والعدالة في فلسطين.

وفي عيد الميلاد هذا العام، سيلحظ الحجاج والزوار أعمال الترميم التي أنجزناها في كنيسة المهد. وسيُتاح قريباً للزوار من مختلف أنحاء العالم مشاهدة الجمال المذهل للأيقونات المكتشفة حديثاً في هذا الموقع المقدس. ويُعد هذا المشروع واحداً من المشاريع التي تمكّنا من المضي قدماً في تنفيذها بفضل عضويتنا التي نعتز بها في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).

وفي هذا السياق، نرفض المحاولات الإسرائيلية لتضليل العالم بشأن حقنا في الحفاظ على قدسية الأماكن المقدسة ووضعها التاريخي القائم في القدس، المدينة المقدسة للديانات السماوية الثلاث.

كما ساهمنا في ترميم كنيسة القيامة في القدس الشرقية المحتلة، وسنواصل الحفاظ على تراثنا الوطني، بما في ذلك صون الوضع التاريخي القائم لجميع المواقع الدينية، ومن ضمنها المسجد الأقصى المبارك وحرمُه الشريف.

وسيشرفني قريباً لقاء قداسة البابا فرنسيس في الفاتيكان، حيث سنتناول بلا شك عدداً من القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما فيها تعزيز العدالة والسلام في المنطقة، وتشجيع الحوار بين الأديان بما يحقق مزيداً من التفاهم والاحترام المتبادل.

وفي هذا الإطار، نؤكد مجدداً موقفنا الراسخ بأنه لا يجوز استخدام أي كتاب مقدس ذريعةً أو مبرراً لارتكاب أي نوع من الجرائم أو الانتهاكات.

وسنناقش أيضاً الاتفاقية التاريخية بين دولة فلسطين والكرسي الرسولي، باعتبارها نموذجاً يُحتذى به في بقية دول المنطقة لتعزيز الوجود المسيحي ومؤسساته.

فالمسيحيون هم ملح هذه الأرض، ولا يمكننا تصور شرق أوسط من دون مسيحييه الأصليين. وسنواصل التعاون مع رؤساء الكنائس في القدس، الذين يشكلون جزءاً من فلسطين وشعبها، من أجل تحقيق هذه الأهداف المشتركة.

إننا ملتزمون بالحفاظ على فسيفساء فلسطين، التي تعايشت فيها المساجد والكنائس على مدى قرون طويلة. وإن الإجراءات الرامية إلى إسكات صوت الأذان من المساجد، أو المحاولات الفاشلة للتفرقة بين المسيحيين والمسلمين، تنبع من عقلية عنصرية واستعمارية.

إن منطقتنا بحاجة إلى دول تكفل المساواة في الحقوق لجميع مواطنيها. ومن هنا، ندعو المجتمع الدولي إلى التصدي للمحاولات الإسرائيلية الرامية إلى تحويل الصراع السياسي إلى حرب دينية.

كما ندعو جميع الدول إلى الانضمام إلينا في إدانة الحملة الإسرائيلية المنظمة من التهديدات والتحريض ضد العديد من مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية والدولية وبرامجها في فلسطين، الأرض المقدسة، ولا سيما الحملة الموجهة ضد مجلس الكنائس العالمي.

وندعو الجميع إلى زيارة فلسطين، وأداء الحج في الأراضي المقدسة، ودعم صمود شعبنا.

إن رسالتنا المفعمة بالأمل هي رسالة مقاومة، ومقاومتنا هي وجودنا على أرضنا. ففي فلسطين نحن باقون، وفيها سنظل.

ونغتنم هذه المناسبة لنعرب عن تعازينا لضحايا الهجمات الإرهابية الأخيرة، بما فيها تلك التي وقعت في الأردن وألمانيا.

ونتقدم على وجه الخصوص بأصدق مشاعر التعاطف والعزاء إلى الكنيسة القبطية المصرية، وإلى الحكومة المصرية والشعب المصري، الذين عانوا من الهجوم الإرهابي الذي استهدف كاتدرائية القديس مرقس في القاهرة.

وقد شكّلت وفداً رفيع المستوى من القيادات المسيحية والإسلامية للسفر من القدس إلى القاهرة، لتقديم واجب العزاء إلى قداسة البابا تواضروس، وإلى فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، في أعقاب هذا الهجوم الإرهابي.

وأود أن أتقدم إلى أبناء شعبنا جميعاً بأطيب التهاني بمناسبة عيد الميلاد المجيد والعام الميلادي الجديد.

وأحيّي شعبنا العظيم، ولا سيما لاجئينا في سوريا ولبنان، بمن فيهم أبناء شعبنا في مخيمي ضبية ومار إلياس، وكذلك أبناء شعبنا الذين سيحتفلون بعيد الميلاد في قطاع غزة وفي عاصمتنا المحتلة القدس.

كما أوجّه التحية إلى أسرانا.

إن رسالة الأمل والعدالة والسلام التي حملها السيد المسيح من مغارة متواضعة في بيت لحم، ستنتصر على ظلام المنفى والاستعمار والاعتقال غير القانوني والفصل العنصري.

وكل عام وشعبنا الفلسطيني وشعوب العالم بألف خير.

محمود عباس

رئيس دولة فلسطين