تعود جذور الوجود البشري في مدينة بيت لحم إلى عصور سحيقة، إذ تؤكد الاكتشافات الأثرية وجود الإنسان فيها منذ العصر البرونزي. ويُرجّح أن مدينة بيت لحم نشأت في بداياتها كتجمع للبدو الرحّل حول مصدر للمياه يقع على بُعد نحو 200 متر من مغارة المهد.
وقد شكّلت قرية «أفراتة»، التي تعني «المثمرة»، وهي قرية كنعانية كان سكانها يعملون في الزراعة وتربية المواشي، النواة الأولى لمدينة بيت لحم. ويُعتقد أن اسم المدينة مشتق من «بيت لحما»، الذي يعني باللغة الآرامية «بيت الخبز»، ويرتبط كذلك باسم «لحاما»، إله الخصوبة في المعتقدات الأكادية القديمة.
ورد ذكر بيت لحم لأول مرة في سفر التكوين من الكتاب المقدس، حيث توفيت راحيل، زوجة النبي يعقوب، أثناء الولادة، ويقع قبرها عند مدخل المدينة. وبعد قرون، شهدت المدينة زواج راعوث من بوعز، الذي أصبح حفيده فيما بعد معروفاً باسم الملك داود.
واكتسبت بيت لحم شهرة عالمية بوصفها مسقط رأس السيد المسيح المخلّص. ويحظى السيد المسيح أيضاً بمكانة عظيمة لدى المسلمين، الذين يؤمنون به نبياً مرسلاً من الله ويعرفونه باسم عيسى عليه السلام، مما يجعل المدينة مقدسة لدى المسيحيين والمسلمين على حد سواء.
وفي عام 325 ميلادية، شيّدت القديسة هيلانة، والدة الإمبراطور قسطنطين، كنيسة فوق مغارة المهد، ولا تزال قائمة حتى يومنا هذا، وتشكّل المركز التاريخي والطبيعي للمدينة والمنطقة المحيطة بها.
ومنذ القرن الثاني الميلادي، استقبلت المدينة العديد من الحجاج والشخصيات الدينية البارزة، ومن بينهم القديس جيروم (إيرونيموس)، الذي أقام خلال القرن الرابع الميلادي في مغارة مجاورة لمغارة المهد، وأنجز ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة اللاتينية.
وفي عام 529 ميلادية، تعرضت الكنيسة لدمار جزئي على يد الفرس، ثم أعاد الإمبراطور جستنيان بناءها عام 531 ميلادية.
وفي القرن السابع الميلادي، عندما أصبحت فلسطين جزءاً من الدولة الإسلامية، دخل الخليفة عمر بن الخطاب مدينة بيت لحم عام 638 ميلادية، ووقّع عهداً مع مسيحيي المدينة، كفل لهم حماية أرواحهم وممتلكاتهم المدنية والدينية، وضمان حريتهم في ممارسة شعائرهم الدينية.
ومع وصول الصليبيين إلى المنطقة، أرسل غودفري دي بويون القائد تانكريد للسيطرة على كنيسة المهد ومدينة بيت لحم، قبل دخوله القدس عام 1099 ميلادية. وقد شهدت بيت لحم تتويج الملكين بلدوين الأول وبلدوين الثاني.
وبعد استعادة صلاح الدين الأيوبي للأراضي المقدسة في القرن الثاني عشر، تراجعت أهمية بيت لحم وتقلّص حجمها، لتصبح بلدة صغيرة خلال فترات الحكم الفاطمي والمملوكي والعثماني.
ومع اقتراب نهاية القرن التاسع عشر، شهدت المدينة موجة من الإرساليات المسيحية الغربية التي قدمت لتأسيس الأديرة والمدارس والمستشفيات في الأراضي المقدسة. وأسهمت هذه الإرساليات بشكل ملحوظ في تطوير العمران والتعليم والخدمات الصحية، إلى جانب تنشيط الحركة التجارية.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، فُرض الانتداب البريطاني على فلسطين، واستمر حتى عام 1948 وقيام دولة إسرائيل.
واعتباراً من عام 1952، خضعت مدينة بيت لحم للإدارة الأردنية، شأنها شأن بقية مناطق الضفة الغربية، واستمر ذلك حتى الاحتلال الإسرائيلي عام 1967.
وفي عيد الميلاد المجيد عام 1995، وبعد ما يقارب ثلاثين عاماً من الاحتلال، احتفلت مدينة بيت لحم ببدء مرحلة الحكم الذاتي الفلسطيني، بحضور الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.