كلمة رئيس بلدية بيت لحم في المؤتمر الدائم للمدن التاريخية لحوض البحر الأبيض المتوسط

2017-09-12 11:49:21

جاليبولي - إيطاليا

يوم الجمعة الموافق 8/9/2017

نرحّب بكم جميعاً في الدورة الثانية عشر لمؤتمر المدن التاريخية لحوض البحر الأبيض المتوسط ، ونشكر القائمين على تنظيم هذه الدورة ، ونخصّ بالذكر المنتدى الطلابي لحوض البحر الأبيض المتوسط (ITHAKA) ، وسعادة رئيس بلدية غاليبولي السيد (Stefano Minerva)، كما يُسعدني أن نتقدّم بالشكر العميق للبروفيسور جيوفانّي لوبرانو السكرتير التنفيذي للمؤتمر على جهوده ومواكبته لهذا المؤتمر منذ تأسيسه في عام 1996 ؛ كما نشكر مواطني مدينة غاليبولي التي تربطها علاقة توأمة مع مدينة بيت لحم على استضافتهم لهذا الحدث الذي يعبر عن أولوية ليس فقط لمدننا وإنما للإنسانية جمعاء ويحتّم علينا التعاون لإيجاد الحلول للقضايا المشتركة.

إنني أُشارِك معكم لأول مرة بصفتي رئيساً لبلدية بيت لحم على إثر الانتخابات المحلية التي جَرَت في فلسطين مؤخّراً، ولا أخفي شعوري بثِقل المسؤولية لرئاستي واحدة من أهم مدن العالم ومحط انظارها، بيت لحم، مهد السيد المسيح له المجد، وأعبر لكم عن شعوري أيضا بالفخر والاعتزاز لرئاسة هذا المؤتمر الذي أنظر اليه بأهمية كبيرة لما يُشكّله من فرصة حقيقية لتوطيد العلاقة بين شعوب المدن التاريخية في حوض البحر الأبيض المتوسط للمحافظة على هويتها التاريخية والثقافية والمعمارية والارتقاء بها، اضافة إلى تبادل المعلومات والخبرات والبحث في عدّة قضايا تشكّل أولوية ليس فقط لمدننا وإنما للإنسانية جمعاء، مما يحتّم علينا التعاون لإيجاد الحلول للقضايا المشتركة في الحفاظ على الموروث الثقافي في حوض البحر المتوسط. كما أود أن أوجه تحية حارة الى رئيس بلدية بيت لحم الأسبق الدكتور فكتور بطارسة الحاضر معنا اليوم وأشكره على دوره ودعمه للمؤتمر أثناء فترة ترأسه له.

سيداتي سادتي،

جئناكم من بيت لحم ، البلدة التي شرفها الله بميلاد الطفل يسوع له المجد رسول المحبة والسلام في مغارتها منذ أكثر من 2000 عام ، هذه المدينة التي انبعثت منها رسالة السلام مازالت تعاني من الاحتلال الاسرائيلي وتفتقر لنعمة السلام ، فبيت لحم مُحاصرة بجدارٍ الفصل العنصري الذي يبعد حوالي (1.500) متر فقط عن كنيسة المهد ويقيّد الحرية ويعيق الحركة ويؤثّر على جميع مناحي حياتنا ويجعل الواقع أليما ً، فمواطني بيت لحم وأسوة بأبناء شعبناء الفلسطيني يعيشون ظروفاً صعبة وقاسية في ظل غياب الافق السياسي لحل القضية الفلسطينية على أساس قرارات الشرعية الدولية والقاضية بمنح الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير واقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران لعام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وبالرغم من ذلك، فإننا نؤكّد دوماً بأن أيادي قيادتنا وشعبنا الفلسطيني ممدودة للسلام القائم على العدل والمساواة والاحترام المتبادل، السلام المبني على الحق وليس المفروض من القوي على الضعيف، فلا يُمكن أن يعمّ السلام في العالم ما لم تعشه فِلسطين، ولا يمكن أن يسود العدل ما لم تنعم به بيت لحم، آملاً بأنّ تبقى نجمة الميلاد متلألأة ورسالتها حيّة دوماً في سماء المعمورة كلها. فإنصاف بيت لحم واجب على المجتمع الدولي وعليه تقع مسئولية إحقاق الحقوق الشرعية للشعب الفلسيطني ورفع الظلم والمعاناة عنه، فشعبي ما زال يعاني من سياسة التمييز والاضطهاد والاحتلال منذ اكثر من سبعين عاما، وهو من أواخر الشعوب الساعية للحرية والاستقلال في العالم ، وبالرغم من ذلك فإننا ما زالنا ننظر إلى المستقبل بأمل وتفاؤل لحياة أفضل تضمن لنا العيش بحرية وكرامة واستقلال أسوة بباقي شعوب العالم.

الحضور الكريم،

إن كنيسة المهد وهي المغارة التي احتضنت ميلاد الطفل يسوع له المجد قبل 2000 عام والتي تم بنائها في القرن الرابع للميلاد على يد القديسة هيلانة والدة الامبرطور قسطنطين، تتمتع في مجتمعها ومحيطها بمعاني انسانية وثقافية ودينية وتاريخية سامية، فهي بيت للعبادة ، وصرح حضري، وملاذ لأبناء بيت لحم زمن الحرب والقلاقل، تقليد توارثه الخلف عن السلف الصالح، وكان الفصل الأخير في تاريخها الحصار الذي عاشته في عام 2002، فصلٌ جديد يضاف إلى تاريخها العريق جَسَّدَ فيه رهبان الكنيسة رسالة السلام والمحبة عندما احتضنوا اللذين لجأوا للكنيسة بحثاً عن الحماية والامن والامان  زمن اجتياح الجيش الاسرائيلي لمدينة بيت لحم وحصاره لأكثر من (300) مواطن بداخل الكنيسة لمدة 39 يوما ، لقد كرَّسَ المحاصرون رهبانا ومواطنين في زمن الحصار مفاهيم الاخوّة والمواطنة الصالحة والعلاقات الطيبة القائمة على الاحترام والتقدير المبادل، وقد انتهى الحصار وبقيت كنيسة المهد شامخة بقيمها الانسانية وموقعها الديني ومكانتها التاريخية.

لقد عملت بلدية بيت لحم بالتعاون والتنسيق مع وزارة السياحة والآثار الفلسطينية وعلى مدار سنين طويلة على وضع بيت لحم وكنيسة المهد على قائمة اليونسكو للتراث العالمي المهدد بالخطر وقد تكللت جهودها بالنجاح عندما قررت لجنة التراث العالمي باليونسكو أثناء انعقادها في مدينة سانت بطرس بيرغ في 28 حزيران لعام 2012 وضع كنيسة المهد وشارع النجمة المدخل التاريخي لمدينة بيت لحم ومسار الحجاج على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر.

إننا  كفلسطينيين وبيتلحميين ورغم الصعاب والمعيقات نفتخر بحقيقة رائعة هي أننا تمكنا من الحفاظ على كنيسة المهد كموروث حضري وديني وثقافي وتاريخي ، وتكريسا لهذه المبادىء فقد تبنى فخامة الرئيس محمود عباس رئيس دولة فلسطين ترميم كنيسة المهد وشكل لجنة رئاسية بعضوية بلدية بيت لحم لمتابعة اعمال الترميم التي ستنتهي في عام 2019، وقد شملت الأعمال ترميم السقف والفسيفساء والأعمدة الحجرية والجدران وذلك وفق أنظمة وتعليمات اليونسكو الخاصة بالحفاظ على المواقع التراثية، مع العلم بأنّ آخر ترميم للكنيسة تمّ قبل حوالي (600) عام.

     كما تقوم بلدية بيت لحم في الوقت الحالي بالتحضير لتنفيذ مشروع تأهيل وترميم شارع النجمة والبلدة القديمة الزاخرة بمبانيها الدينية والتاريخية، ويهدف المشروع إلى الحفاظ على التراث المعماري للبلدة القديمة وإعادة إحياء الشارع وتزويده بخدمات البُنية التحتية اللازمة، وستجري جميع الأعمال وفقاً لمعايير منظمة الأمم المتحدة (اليونسكو)، وقد رُصِدَت له ميزانية قدرها (4) مليون دولار موّلتها حكومة روسيا الاتحادية.

لقد عملت بلدية بيت لحم في عام 2014 بالتعاون مع مركز حفظ التراث الثقافي واليونسكو على وضع نظام للحفاظ على البلدة القديمة والمباني التراثية المنفردة يسمى "نظام أحكام الحفاظ على التراث المعماري في مدينة بيت لحم وتصنيف المناطق التراثية والمباني التراثية المنفردة" ويهدف لتوفير الحماية للمناطق الحضرية والنسيج المعماري التقليدي للمنطقة التراثية والعناصر المختلفة المشكّلة لها، كما يهدف لتنظيم أعمال البناء والاستعمال للمناطق التراثية ؛ إنّ هذا النظام يُشكّل فصلاً من المخطط الهيكلي لمدينة بيت لحم الذي سيكون له الأثر الكبير في تنظيم المدينة والمحافظة على تراثها.

سيداتي سادتي،

إنّ هجرة الفلسطينيين بدأت في أواخر القرن التاسع عشر في زمن الحكم العثماني، لسببين هما الأول : عدم الاستقرار السياسي والوضع الاقتصادي الصعب، والثاني الحروب التي عاشتها المنطقة، وقد ذَهَبَ الفلسطينيون آنذاك إلى دول أمريكا اللاتينية بحثاً عن حياةٍ أفضل لهم ولعائلاتهم، وللأسف استمرّ نزيف الهجرة فيما بعد إلى يومنا هذا لذات الاسباب، وفي المقابل منعت الانظمة السياسية التي تعاقبت على حكم فلسطين عودة المهاجرين ووُضِعَت أمامهم العقبات والمعيقات لمنع عودتهم إلى أرضهم وجعلت من عودتهم مهمة صعبة ومستحيلة.

إن بيت لحم تعتبر نموذجا للعيش المشترك بين أبناء شعبنا الفلسطيني الواحد مسيحيين ومسلمين ، لكن الحروب والسياسات التي حكمت فلسطين عبر تاريخها الحديث منذ القرن التاسع عشر قد ادت إلى تغييرات ديمغرافية كبيرة في التعداد السكاني ، فمثلا كان عدد المسيحيين في بيت لحم  قبل حرب عام 1948 يمثلون حوالي (90%) من إجمالي عدد السكان، واصبحت نسبتهم  اليوم تقارب حوالي (40%) وذلك على الرغم من أن الهجرة من فلسطين لا تقتصر على المسيحيين فقط بل تطال المسلمين أيضا من أبناء شعبنا الفلسطيني ، وإنّ الهجرة قد أصبحت ملحوظة في هذه الايام بين المسيحيين بسبب قلة عددهم.

إنّ الهجرة، وإنْ كانَ لها تأثيرٌ كبير على فلسطين، فهي باتت تؤثّر على البشرية ككل، يكفي أن ننظر إلى موجات الهجرة عبر المتوسّط نحو دول أوروبا، وما تخلقه هذه الهجرة من مشاكل سواء للدول المُستقِبلة التي باتت الديمغرافيا فيها تتغير بشكل سريع، وتضع أمام جميع دول اوروبا تحدّيات جمّة يتطلّب التخطيط المشترك لمواجهتها، أو على الدول التي ينطلق منها المهاجرون، وهي دول تعاني من ويلات الحروب والصراعات الداخلية ومن أوضاعٍ اقتصادية وسياسية صعبة؛ لذلك من الأهمية البحث في الحلول المشتركة فيما بيننا جميعاً.

وفي سياق الحديث عن الهجرة والاغتراب، أودّ الإشارة إلى مؤتمر المغتربين الذي نظّمته بلدية بيت لحم العام الماضي بالشراكةِ والتعاون مع بلدية بيت جالا وبلدية بيت ساحور، بهدف خلقْ جسورٍ من التواصل بين أبناء الشعب الواحد، وقد استطعنا تأسيس مرحلة جديدة نأمل فيها أن تعزز آفاقِ التعاونٍ مع جالياتِ الاغترابِ البيتلحمية، في جميعِ المجالات، لَعَلَّها تكونُ حافزاً لعودة الفلسطينيين إلى أرض فلسطين والبقاء فيها، وقد شارَكَ في المؤتمر حوالي مئة مغترب، ونعمل في الوقت الحاضر على تنظيم المؤتمر الثاني بمشاركة أوسع من المغتربين، علماً انّه في دولة التشيلي لوحدها يعيش (300) ألف مُغتَرِب أصلهم من بيت لحم، وإذا ما نظرنا إلى أمريكا اللاتينية لوحدها سنجد الملايين من الفلسطينيين الذين يعيشون في الاغتراب، يُبدِعون في شتى المجالات، وهم عنوانٌ للتفوق ، لكنهم غرباء عن وطنهم بسبب ظروف الاغتراب وقيود عودتهم.

سيداتي سادتي،

إن سياسة الاحتلال الإسرائيلي المتمثّلة بمصادرة أراضي الفلسطينيين لاسباب عنصرية، والتي كان آخرها مصادرة حوالي (7) آلاف دونم من أراضي مدينة بيت لحم قبل سنتين ، ومنها أراضٍ تعود ملكيتها لبلدية بيت لحم قد أدت إلى تضييق مساحة المدينة من (31.5) كم في زمن الانتداب البريطاني إلى (7.2) كم فقط في الوقت الحاضر، وقد تبع ذلك انعدام فرص التمدد العمراني وتقليل المساحات الخضراء في المدينة حيث بلغ عدد السكان (4861) مواطن لكل كيلو متر مربع واحد مما يجعل مدينة بيت لحم واحدة من اكثر المدن اكتظاظا في العالم .

وفي المقابل، تستمر المستوطنات المقامة على أراضي المواطنين بالتمدد ويزداد عدد سكّانها بشكلٍ كبير، فبيت لحم لوحدها يُحيط بها (23) مستوطنة يسكنها (86) ألف مستوطن، أُضيف إلى ذلك الضرر البيئي الناتج عن رمي مخلفات المستوطنات في الأراضي الزراعية والمناطق المحيطة بمنازل المواطنين الفلسطينيين، وفي الوقت الذي تنعم فيه هذه المستوطنات بجميع الموارد، فإنها في المقابل شحيحة جداً داخل المناطق الفلسطينية، يكفي أن ننظر إلى المياه التي يتحكّم فيها الاحتلال الإسرائيلي بشكلٍ كامل دون أدنى سيطرة من الفلسطينيين، فالمياه تتوفّر للمستوطنين على مدار الساعة، أما داخل مدننا وقرانا فإننا نعاني من شحّ كبير بها، علماً أنّ متوسط نصيب الفرد من استخدام المياه عند الفرد الإسرائيلي أعلى منه بنحو سبع مرات عن مثيله الفلسطيني.

زملائي المؤتمرون الكرام،

إننا ندعوكم لعقد مؤتمركم القادم للمدن التاريخية لحوض البحر الأبيض المتوسط الثالث عشر في مدينة بيت لحم لما لها من معانٍ ثقافية وحضرية، في الوقت الذي نستعد فيه للاحتفال ببيت لحم عاصمة للثقافة العربية عام 2020 ونأمل أن يكون المؤتمر على قائمة الأنشطة والبرامج المقرر عقدها بهذه المناسبة.

أشكركم جميعاً على حسن الاستماع، واختتم بكلماتٍ رددها رئيس بلدية فلورنسا الراحل جورجيو لا بيرّا: "نجمة بيت لحم تُصدِرُ نور المحبة والسلام لجميع الشعوب للأبد"، نعم هي بيت لحم، تستمر في رسالتها دوماً، تنقلها من جيل لجيل، ولن يُطفَأ نور هذه الرسالة أبداً.

أتمنى لمؤتمرنا هذا النجاح والتوفيق.

                                                                   المحامي أنطون سلمان

                                                                     رئيس بلدية بيت لحم

مباشر من ساحة المهد